الشرطة في فترة الانتداب البريطاني

في نهاية عام 1917 احتل الجيش البريطاني فلسطين. خلال العامين الأولين بعد الاحتلال، ساد البلاد حكم عسكري لُقِب بـ O.E.T.A خلال هذه الفترة لم تُنشئ الإدارة العسكرية وحدات شرطة من عناصرها وانما تبنت الشرطة القائمة في البلاد آنذاك، سمحت بإقامة وحدات شرطة محلية واستمرت في توظيف الشرطة المحلية القائمة والغفر في القرى. لذا، قرر مؤتمر “الحارس”، عام 1918، العمل على إنشاء شرطة عبرية. فلذا انضم العديد من أعضاء المنظمة إلى صفوف شرطة طبريا، وبموافقة البريطانيين أسسوا “الشرطة الخاصة”، التي كانت تعمل في المناطق الريفية في الجليل حتى عام 1921.
في شهر نيسان من عام 1920، وقعت في البلاد أعمال شغب واسعة النطاق، التي اجَّجَها قادة من العرب الذين عارضوا الصهيونية ولم تعد لمنظمة “الحارس” القدرة على مواجهة هذه الأحداث، الامر الذي أدى الى قرار أعضاء المنظمة بتفكيكها وإنشاء منظمة قطرية، الــ”هَغَنَه”، والتي لم يكن الغرض منها الانخراط في الشرطة.
في عام 1920، تم حل الحكومة العسكرية البريطانية في البلاد وتم نقل السلطة الحاكمة إلى المفوض السامي وحكومة الانتداب، وأثناء التخطيط لإقامة قوة شرطة في البلاد استغلوا البريطانيون خبرتهم الكبيرة في مجال إقامة قوات شرطة وتشغيلها ان كان ذلك في بريطانيا او في مختلف مستعمراتها.
شرطة الانتداب (قوة الشرطة الفلسطينية) التي تم اقامتها في عام 1920، تم تنظيمها بشكل قطري. تم تقسيم البلاد إلى ألوية شرطة، وتقسيم الألوية إلى أقضية (مناطق فرعية) ومحطات شرطة وعلى رأسها المفتش العام، يساعده في ذلك مقر الشرطة القطري والذي يضم أقسام للتحقيقات في الجرائم والاستخبارات (والمعروفة باسم “المخابرات” C.I.D.)، قسم المرور وأقسام المقر والإدارة. هذا مشابه لهيكل الشرطة المستخدم في المستعمرات البريطانية وعلى النقيض من هيكل الشرطة البريطانية في بريطانيا نفسها حيث كانت تعمل الشرطة على أساس إقليمي أو مدينة. اما مدينة تل أبيب فهي الوحيدة في البلاد التي عملت حسب ما هو متبع في بريطانيا، حيث تم إنشاء شرطة بلدية في عام 1921، وكانت تحت إمرة العمدة وليست تحت إمرة المفتش العام للشرطة (ولكنها خضعت لإمرته جزئيًا عام 1931).
استمدت شرطة الانتداب مرجعيتها القانونية لأنشطتها من قانون الشرطة، الذي نُشر لأول مرة في عام 1921 وتم تحديثه على نطاق واسع في عام 1926.
قُسِّمت شرطة الانتداب إلى فرقتين، أحدهما بريطانية والأخرى فلسطينية. وللمرة الأولى عمل ضباط الشرطة بريطانيون وشغلوا مناصب متنوعة وكانت أغلبيتهم الساحقة من القادة والضباط في الشرطة. اما القسم الثاني فقد ضم ضباط شرطة محليين، يهود وعرب سوياً، وكانوا يشغلون، بشكل أساسي، وظائف ميدانية بدائية. كانت هناك فوارق في أجور ضباط الشرطة: في حين أن رجل الشرطة البريطاني حصل على راتبه برضاء تام، الا ان الراتب المدفوع لرجال الشرطة المحليين كان منخفضًا جدًا.
خلال فترة الانتداب في البلاد، عملت إلى جانب الشرطة المعتادة، وحدات خاصة للحفاظ على النظام العام والأمن الداخلي. بين السنوات 1926-1921 عملت وحدتان للدرك، واحدة تضم عناصر شرطة بريطانيين فقط (الدرك البريطاني) وواحدة من عناصر الشرطة العرب والشركس واليهود تحت قيادة البريطانية (الدرك الفلسطيني، المعروف في المنطقة باسم “الشرطة الممتازة”). بعد اندلاع الثورة العربية الكبرى في البلاد عام 1936، تم تجنيد العديد من اليهود للعمل كقوة مساعدة لشرطة الانتداب – “نواطير”. تم تجنيد “نواطير” لفترة محدودة من الوقت وتم توظيفهم بشكل أساسي في مهام الدفاع والأمن، وليس في وظائف الشرطة “الكلاسيكية”، مثل مكافحة الجريمة. اغلبيتهم العظمى من أعضاء منظمة الــ “هَغَنَه”. في عام 1939، تم تأسيس الـــ”نواطير” كشرطة المستوطنات اليهودية، والتي ضمت عشر كتائب ونفذت مهام دفاعية في أراضي إسرائيل. وحدة شبه عسكرية أخرى كانت “الشرطة المتنقلة”، والتي تألفت من قوة بريطانية فقط وعملت ضد منظمات التمرد اليهودية او الهجرة الغير الشرعية في 1946-1945.
من اهم اهداف إقامة شرطة الانتداب كان الحفاظ على الحكم البريطاني في البلاد. هذا ظهر جلياً في التعامل مع الأعمال العدائية بين العرب واليهود، وفي الصراعات لمحاولات مواطني البلاد للتمرد ضد الحكومة.
نتيجة العداء العربي ضد الصهيونية اندلعت في البلاد أحداث عنيفة، تميزت بالاعتداءات على اليهود وممتلكاتهم، وغلباً ما وجدت الشرطة نفسها عاجزة عن التعامل مع مثل هذه الهجمات. إخفاقات الشرطة في حماية اليهود خلال أحداث 1920، 1921، 1929، 1936 (الثورة العربية الكبرى، 1936-1939) أدت إلى العديد من الضحايا وأحدثت عدداً من التغييرات والإصلاحات في هيكل الشرطة. خلال الأحداث العنيفة، تعاون عناصر شرطة من العرب لصالح مثيري الشغب وفي بعض الأحيان بشكل فعال.
بعد نشر الكتاب الأبيض لعام 1939 وتبني السلطات البريطانية موقف معادي للصهيونية، كثفت شرطة الانتداب أنشطتها ضد اليهود ومنظماتهم السرية وخصصت لذلك معظم مواردها. حتى نهاية الانتداب، وخاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تمركزت عناصر الشرطة بشكل أساسي في البحث عن الأسلحة الغير قانونية في المجتمعات اليهودية، واحتجاز المهاجرين غير الشرعيين، ومحاولات القضاء على المنظمات السرية “المتقاعدة”، مثل “أتسل” و”ليحي”، وحتى مقاومة قيادات اليهود ومنظمة “هَغَنَه”.
مباشرة بعد قرار التقسيم في هيئة الأمم المتحدة، في 29 تشرين الأول 1947، اندلعت في البلاد حرب أهلية بين العرب الذين سعوا إلى منع تنفيذ القرار وبين اليهود. من هذه المرحلة وحتى نهاية حكم الانتداب، كرست الشرطة البريطانية جُل اهتمامها في حماية المرافق الحكومية وحماية أنفسهم، وهنا بدأت شرطة الانتداب في التفكك. تم إخلاء محطات شرطة، تم تدمير معدات ووثائق أو تم فقدها واختفت كذلك كل المحاولات للحفاظ على النظام العام او تنفيذ القانون. في هذه الفترة بقي عناصر شرطة من اليهود والتابعين لشرطة الانتداب في محطات الشرطة التي يخدمون فيها وبذلوا جهودًا جبارة لدعم سيادة القانون والنظام العام.
فور انهاء الحكم البريطاني في البلاد تم حل شرطة الانتداب التي عملت بجهد ضد الجاليات اليهودية، وعلى الرغم من ذلك الا انها شكلت حجر الأساس الذي بُنيت عليه الشرطة الإسرائيلية فيما بعد وتأثرت بها كثيراً حتى ان قسم من تراثها باقٍ حتى يومنا هذا.

Skip to content