شرطة إسرائيل

لقد بدأت الاستعداد لإنشاء الشرطة في دولة إسرائيل قبل قيام الدولة نفسها، وذك ابان فترة الانتداب البريطاني. هذه المهمة تم القاءها على عاتق فريق لجنة التأسيس برئاسة غولدا ميرسون (مئير) وقد ضم الفريق كل من: يحزقيال ساخاروف (ساهر)، جوزيف نحمياس، وضابط الشرطة بوبي لوستيغ وتوفيا كازين. عاين أعضاء الفريق مبنى شرطة الانتداب آنذاك وصاغوا خطة مفصلة للشرطة والدرك في البلاد. في 21 ديسمبر سنة 1947، قدم يحزقيال ساهر لإبن غوريون “اقتراح إنشاء شرطة في الدولة العبرية”، وبعد ثلاثة أشهر، أي في 26 اذار 1948، أوكل بن غوريون إلى يحزقيال ساهر مهمة إنشاء الشرطة وعينه كأول مفتش عام لها عند إقامتها.

اثناء بناء مقر الشرطة، بدأت أيضا الاستعدادات الفعلية لإنشاء الشرطة من أبرزها عملية تجنيد المرشحين للدورة الأولى لضباط الشرطة، والتي بدأت في وقت مبكر من شهر شباط عام 1948.

مع الإعلان عن قيام الدولة، في 14 ايار 1948، بدأت الشرطة الإسرائيلية مباشرة عملها بشكل رسمي، ولكن لأسباب تتعلق بالتمويل والتنظيم، تم إنشاءها كفرقة ضمن هيئة الأركان العامة لجيش الدفاع الإسرائيلي، والذي أُلقِي على عاتقه مسؤولية امداد الأفراد والمعدات، ايضا رافق إنشاء الشرطة العديد من الصعوبات، منها كان عدد ضباط الشرطة المتدني وقليل منهم ذوي الخبرة في القيادة والادارة، وايضا بسبب حرب الاستقلال كما وأوليت الشرطة مكانة منخفضًة نسبيًا في الأولويات الوطنية، وكان عليها قبول القوى العاملة والوسائل التي رفضها الجيش.

تم تنظيم الشرطة الإسرائيلية في مقر قطري، والذي شمل أقسامًا عامة تتعامل في الإدارة والتحقيقات والتخطيط وتنظيم الايدي العاملة وإدارة الالوية، كما وتم تقسيم الالوية إلى اقضية ومحطات. كانت هذه الطريقة استمرارًا مباشرًا للنهج البريطاني، حتى الزي الرسمي لضباط الشرطة والعناصر كان نسخة طبق الأصل من النموذج البريطاني، ولكن خلافاً لخطة يحزقيال ساهر لم يتم إنشاء الدرك إلى جانب الشرطة.

لقد اوجدت نهاية حرب الاستقلال تحديات جديدة وهامة للشرطة، كما وتميز العقد الأول من قيام الدولة بالهجرة الجماعية، وأزمة اقتصادية حادة، وصراعات على خلفيات سياسية، وقضايا أمنية معقدة. لهذا رأي بن غوريون في الشرطة جهاز لتعليم السكان المواطنة الصالحة، لذا قامت الشرطة بدورًا اجتماعياً الى جانب أنشطتها المعتادة والذي تضمن بشكل رئيسي مساعدة المهاجرين الجدد في السكن المؤقت والبلدات واعمال تطوعية قام بها افراد الشرطة.

واجهة الشرطة مشكلة حادة بشكل خاص وهي التسلل واسع النطاق إلى الدولة مع السرقة والأعمال التخريبية، الى جانب الاغتصاب والقتل. وكجزء من مواجهة هذه الظاهرة، إقامة الشرطة في أوائل سنوات الخمسين “أقسام خاصة”، والتي أصبحت فيما بعد فرق دورية لحرس الحدود وكذلك وقسم مكافحة التسلل في المقر القطري، والتي ركزت نشاط الشرطة على هذه القضية.

في عام 1953 تم توحيد ثلاث فرق لدوريات حرس الحدود ضمن إطار جديد سُميَّ فيلق شرطة حرس الحدود. وكانت مسؤوليته الحفاظ على الحدود، إلى جانب الجيش الإسرائيلي. وقد تقرر مع إنشاء هذا الفيلق أنه في حالات الطوارئ سيعمل تحت قيادة جيش الدفاع الإسرائيلي. هذا القرار تم تطبيقه في كل حروب إسرائيل ولا يزال ساريً المفعول حتى هذا اليوم في مناطق يهودا والسامرة.

أدت التغيرات الجذرية في انتشار السكان في البلاد، بعد الحرب والهجرة الكبيرة ونقص الميزانية، إلى تغييرات عدة ومتكررة في المبنى التنظيمي للشرطة الإسرائيلية، خلال العقد الأول أُنشئت الوية ومن ثم تم تفكيكها او ضمها على فترات متقاربة.

حتى نهاية العقد الأول من قيام الشرطة الإسرائيلية مرت كل مراحل المخاض، وعلى الرغم من أن الشرطة تأسست على أسس شرطة الانتداب البريطاني إلا أنها تمكنت من مواجهة العديد من الصعوبات بمفردها والناجمة عن صعوبة ظروف تأسيسها بشكل خاص والدولة بشكل عام.

في عام 1958، استقال المفتش العام يحزقيال ساهر نتيجة قضية “خط المتطوعون”. وخلفه جوزيف نحمياس والذي قام بسلسلة من الإصلاحات في مبنى الشرطة وجدد أساليب عملها الأمر الذي ساهم في تحسين كفاءتها. من بين هذه الاصلاحات، تم تقسيم الدولة الى ثلاث ألوية: الشمالي والجنوبي وتل أبيب، وهذا التقسيم استمر حتى عام 1981. بالإضافة إلى ذلك، شمل “إصلاح نحمياس” توسعات على شرطة حرس الحدود وتم إنشاء “القسم المركزي” في تل أبيب وقام بتجنيد ضابطات في مهام ميدانية تنفيذية، كما وقام بإلغاء رتب الانتداب وأمر باستبدالها برتب عبرية سارية المفعول حتى يومنا هذا.

على مر السنين، زاد مستوى الجريمة الإجرامية في الدولة، إلى جانب دهاء المجرمين. على سبيل المثال، بعد حرب الأيام الستة، اتسع نطاق تعاطي المخدرات بشكل كبير، في أواخر السبعينيات بدأت التحقيقات في الفساد العام وخلال سنوات 2000 برزت ظاهرة خطيرة للجريمة المنظمة. ولنجاح الشرطة في أدائها لمهامها كان عليها أن تحسن باستمرار آليات التحقيق والاستخبارات بشكل مستمر. ولهذا طورت الشرطة، في مرحلة مبكرة، تقنيات الطب الشرعي المتقدمة وفي إنشاء قواعد بيانات محوسبة، مجال سبقت فيه الشرطة معظم المنظمات والمؤسسات الأخرى في البلاد.

في أواخر السبعينيات تم إنشاء وحدات تحقيق قطرية متخصصة في الجرائم الخطيرة أو المعقدة. هذه الوحدات هي الوحدة القطرية للتحقيقات في الجرائم الخطيرة والدولية (يحبل)، والوحدة القطرية للتحقيقات في الاحتيال (يحه). في الوقت نفسه، تم توسيع نموذج “القسم المركزي” الذي يعمل في منطقة تل أبيب وتم إنشاء وحدات مركزية (يمر) في باقي الالوية والتي تجمع بين قدرات التحقيق والاستخبارات. من أجل زيادة قدرة الشرطة على التعامل مع ظاهرة تفشي الجريمة المنظمة، في سنة 2005 تم دمج أقسام التحقيقات والاستخبارات في شعبة واحدة سميت شعبة التحقيقات والاستخبارات (احم). وفي هذا القسم، خلال عام 2008 تم انشاء وحدة 433 “لهاف” التي وحدت بداخلها وحدات التحقيقات القطرية الأربع (الوحدة القطرية للتحقيقات في الجرائم الخطيرة والدولية، الوحدة القطرية للتحقيقات في الاحتيال، الوحدة القطرية للجرائم الاقتصادية والوحدة للكشف عن سرقة المركبات) ووحدة جدعون (وحدة 33). وحدة “لهاف” 433 أُعدت لتكون في طليعة قوة الشرطة الإسرائيلية لمكافحة الجريمة المنظمة والخطيرة.

مع التطور الاقتصادي في البلاد، زاد عدد المركبات الى حد كبير الامر الذي أدى الى ازدياد حوادث الطرق. من أجل الحد من هذه الظاهرة، اعتمدت الشرطة أساليب وتدابير تكنولوجية مصممة للحد من المخاطر للركاب. في عام 1991 تم إنشاء شرطة المرور القطرية (متنا) لتعزيز قدرة الشرطة في الحد من ضحايا المرور. في عام 1997 تم إنشاء قسم المرور والذي أصبح فيما بعد السلطة المهنية في هذا المجال.

في أعقاب حرب الأيام الستة وحرب يوم الغفران، كان على الشرطة الإسرائيلية تكثيف أنشطتها ضد المنظمات الإرهابية الفلسطينية، الذين ألحقوا أضرارًا شديدة بمواطني الدولة. في عام 1974، بناء على قرار “قرار الحكومة 411″، تقرر أن مسؤولية الأمن الداخلي تقع على عاتق الشرطة. من هذه المرحلة، أصبحت الشرطة الإسرائيلية “شرطة ازدواجية الاهداف”، تقوم بمهام الشرطة الكلاسيكية وفي نفس الوقت تتعامل مع قضايا الأمن القومي في داخل البلاد. ولهذا الغرض تم توسيع شرطة الحدود وتم إنشاء وحدات مخصصة بما في ذلك شعبة العمليات، ووحدة الشرطة الخاصة (يمم) ونظام مقاومة التخريب.

في عام 1974 وكجزء من مواجهة الإرهاب الفلسطيني، أقيم الحرس المدني (مشأز)، الذي هُيئ منذ البداية لإعانة الشرطة للتصدي لهجمات الإرهاب، وفي وقت لاحق تم توسيع أدوار الحرس المدني للقيام بواجبات الحراسة، الحفاظ على النظام العام، التجوال، المرور ومواجهة الاجرام. ومن ثم أُقيم قسم “المجتمع والحرس المدني” وفي سنة 2011 تم دمجه مع قسم العمليات. اليوم يعملون عشرات الآلاف من المتطوعين والمتطوعات في مناصب مختلفة ضمن قسم الشرطة.

منذ تولي الشرطة مسؤولية الأمن القومي، كانت هناك فترات اضطرت فيها الشرطة الإسرائيلية إلى استنزاف معظم مواردها في هذا المجال. بين العام 1987 والعام 1993 واجهة الشرطة أعمال شغب عنيفة وهجمات إرهابية قام بها عرب إسرائيليون وفلسطينيون خلال “الانتفاضة” وخاصة في القدس. بعد اتفاقيات أوسلو وموجة الإرهاب التي اندلعت من بعدها، ازدادت حدة الحاجة إلى تعزيز الشرطة لحماية مواطني الدولة. خلال موجة الإرهاب الدامية، التي بلغت ذروتها بين العام 2001 والعام 2004، قُتل مئات المواطنين في عشرات الهجمات الإرهابية الخطيرة، معظمها ارتكبها ارهابيون انتحاريون. وفي هذه الاثناء وقفت الشرطة الإسرائيلية وشرطة حرس الحدود، إلى جانب العديد من المتطوعين، على خط المواجهة مع الإرهابيين، لعدة أشهر وخسرت العديد من عناصرها وضباطها.

الزيادة في عدد سكان الدولة وانتشارهم في البلاد على مر السنين تطلب من الشرطة الإسرائيلية أن تلائم نفسها. في عام 1981، تم إنشاء لواء المركز، والذي يهدف إلى تحسين أداء عمل الشرطة للمواطنين القاطنين في مركز البلاد خارج تل أبيب. هذا اللواء كان الأول الذي أسس بعد سنة 1969 وبعده اسس المزيد. لواء القدس تأسس عام 1991 بسبب الحاجة الأمنية وأعمال الشغب في العاصمة. في عام 1994 بعد اتفاقيات أوسلو ومذبحة الحرم الابراهيمي، أسس لواء السامرة ويهودا. وفي عام 2012، بعد الاقبال المتزايد على طلب خدمات الشرطة في شمال البلاد، تم إنشاء اللواء السابع للشرطة الإسرائيلية، وهو لواء الساحل.

اليوم، يصل عدد عناصر الشرطة الإسرائيلية الى 32000 من رجال ونساء الذين يؤدون مهامهم يوميًا من تقديم الخدمات لمواطني الدولة، وتنفيذ القانون، ومنع الجريمة، والحفاظ على النظام وحماية الأمن الداخلي. كما تمثل الشرطة الإسرائيلية الشريحة الاجتماعية للسكان الإسرائيليين حيث يخدم بها جنبًا إلى جنب افراد من جميع الأديان والقوميات. اليوم، كما هو الحال في الماضي، تتواجد الشرطة في الصدارة في العديد من المجالات: الجنائي والأمني والاجتماعي وغيرها. كما ويستعد عناصرها لمواجهة كل تحديات المستقبل، مرتكزين على تراثهم الغني وتقاليد انجازاتهم.

 
Skip to content