الفتى الذي نجا من المحرقة – دافيد كراوس
المفتش العام التاسع، 1990-1985

انه الفتى من أوشفيتس والذي نجا من المحرقة ليصبح فيما بعد مفتشاً عاماً للشرطة الإسرائيلية.
ولد ديفيد كراوس في عام 1929 في تشيكوسلوفاكيا، وكان الابن الأكبر بين ثمانية أبناء. في عام 1938 غزا النازيين تشيكوسلوفاكيا وتم سلب اليهود حقوق وتدهورت احوالهم. وفي عام 1943، عندما كان كراوس في سن الرابعة عشر من عمره تم نقل والده إلى معسكر العمل النازي عندها تولى كراوس عبء إعالة أسرته. وبعد عدة أشهر تم إرسال جميع يهود المدينة إلى أوشفيتس ولما رأى الألمان كراوس وهو يحمل أخته الصغيرة اعتقدوا أنه والدها فتم إرساله إلى مجموعات الكبار ذوي القدرة على العمل وهكذا نجا اما بقية عائلته فتم ارسالهم إلى غرف الغاز.

في نهاية الحرب، عاد كراوس إلى مسقط رأسه للبحث عن أقاربه الناجين فلم يجد سوى اباه الذي نجا من المحرقة حيث وصف كراوس لقاءه بابيه بانه لقاء مؤثر حيث قال: “لقد كان أسعد يوم وأحزن يوم على الإطلاق. كنت سعيداً من ناحية أنني وجدت والدي، ومن ناحية أخرى عانيت بشكل رهيب أثناء وصفي له وإخباره عن مصير عائلتنا“. بعدها انضم كراوس إلى مجموعة تتألف من 20 فتى وفتاة سافروا إلى إيطاليا لمعسكر شباب الهاغاناه ومن هناك تم إرسالهم إلى البلاد. ومع وصولهم للبلاد تم نجنيدهم وإرسالهم للقتال في الجبهات. خدم كراوس في لواء النقب وبعدها خدم كسائق سيارة اسعاف في السلك الطبي في حيفا.
في فترة الهدنة الأولى من القتال، حصل كراوس على إجازة وتزوج من يهوديت التي كانت من نفس البلدة التي نشأ فيها هو نفسه حيث التقى بها بعد عودتهما إلى المدينة بعد الحرب حينما بحثا عن أقاربهما. في عام 1950، بعد تسريحه من الخدمة الإلزامية، تجند كراوس إلى شرطة إسرائيل. في عامه الأول، عمل كراوس كسائق ضمن الموظفين الإداريين في قاعدة التدريب القطرية لشرطة إسرائيل وبعد عامين التحق بدورة ضباط صف وتم تعيينه في قسم إدارة المرور في لواء حيفا. بين السنوات 1957-1952 عمل كشرطي مرور على دراجة نارية. بعدها التحق كراوس بدورة ضباط.
في عام 1962 انتقل كراوس للخدمة في منطقة تل أبيب، حيث شغل عدة من مناصب وفي عام 1974 تم تعيينه كقائد لمنطقة المركز وفي نفس السنة تم تعيينه أيضا كقائد لمنطقة القدس، وفي عام 1977 تمت ترقيته إلى رتبة لواء وتم تعيينه رئيساً لقسم الإدارة في الشرطة ومن ثم تم تعيينه كرئيس العمليات وبعدها نائباً للمفتش العام للشرطة ورئيس المحكمة التأديبية التابعة لها. في عام 1984 تم تعيينه كقائد لمنطقة تل أبيب.
في الأول من نيسان 1985 تم تعيين ديفيد كراوس لمنصب المفتش العام التاسع للشرطة الإسرائيلية وتم ترقيته الى رتبة مشير. استمرت فترة ولايته خمس سنوات خلالها استطاع كراوس دمج القدرة على مواجهة التحديات الصعبة الخارجية والتي تطلبت منه التغيير وإعادة التنظيم في الشرطة وبالمقابل عدم التنازل عن تطوير قوة الشرطة الداخلية. لم يتنكر كراوس للصعوبات العديدة التي واجهته اثناء تولية منصبه حيث وصفها بقوله: “إن منصب المفتش العام هو أحد المناصب الصعبة التي عرفتها في الشرطة، حيث تقع على عاتق المفتش العام ولوحده القرارات ومن ثم المسؤولية الكاملة عنها. لقد توليت العديد من المناصب … لكن منصب المفتش العام مختلف كلياً عنها، خاصة بالنسبة لمن هو مشغول باستمرار بالعمل الميداني “.
تميزت ولايته كمفتش عام بجو لطيف ساد أجهزة الشرطة وتعاون مثمر بين الوحدات المختلفة في الشرطة وبين الهيئات الأخرى من خارجها. أيضا في بدايات فترة توليه منصبة رضخت البلاد تحت خطة طوارئ اقتصادية وكان على الشرطة التعامل مع الاحتجاجات والاضطرابات ومن جهة أخرى كان على الشرطة عمل سلسلة من الإجراءات لتقليص ميزانيتها.
خلال فترة تولية منصبه أولى كرواس جل اهتمامه للشرطي وسعى لتحسين ظروف عمله وذلك بالرغم من التحديات الاقتصادية العديدة وتقليص ميزانية الشرطة. لقد أدى تقليص ميزانية الشرطة الى الحد من قدراتها واشتكى العديد من عناصرها من نقص في المعدات الأساسية، لذلك بادر كراوس بعدة نشاطات للإصلاح اولها تحسين شروط الأجور ومحاذاتها بقريناتها في الجيش، وفي الوقت ذاته تم تحديث معدات العمليات للعناصر الميدانيين وتم استبدال زيهم للون الأزرق الفاتح جدًا.
من بين الإصلاحات التي قام بها كراوس كانت إنشاء نظام تربوي وتراثي للشرطة الإسرائيلية، ففي عام 1985 تم إنشاء وحدة التربية التابعة للشرطة ومن ثم مركز التراث الذي أُقيم في معهد الشرطة القطري في شفاعمرو.
خلال أواخر فترة تولي كراوس منصبه كمفتش عام للشرطة اندلعت الانتفاضة (كانون اول 1987)، مما غيّر وجه البلاد وأولوياتها. كانت الشرطة الإسرائيلية في طليعة المعركة ضد الانتفاضة، الانتفاضة أجبرت عناصر شرطة من الفلسطينيين والذين عملوا في الشرطة الإسرائيلية في يهودا والسامرة وغزة على الاستقالة، وأيضا إغلاق نقاط الشرطة في التجمعات الفلسطينية. هذا الوضع الجديد اوجب على الشرطة إنشاء فرق جديدة من حرس الحدود، بالإضافة إلى وحدات خاصة (وحدات التدخل المتنقلة) للتعامل مع الاضطرابات.
في 31 من اذار، أنهي ديفيد كراوس منصبه كمفتش عام للشرطة الإسرائيلية بعد أن خدم في هذا المنصب خمس سنوات تقريبًا. وقال في حفل الوداع: “إذا أخبرني أحدهم قبل أربعين عامًا حين دخلت بوابات هذا المعهد أن حرس الشرف في الشرطة سيرافقني عندما انهي فترة ولايتي في منصب المفتش العام للشرطة، فلن أصدقه، كنت لأخبره أن هذه القصص تحدث فقط في عالم الخيال“.
بعد تقاعده، تم تعيين كراوس سفيرًا إسرائيليًا في المجر، وكان هذا المنصب بمثابة إغلاق دائرة حيث عاد أحد الناجين من المحرقة إلى حيث تم ترحيله وعائلته عاد كسفيراً لدولته – إسرائيل. توفي كراوس في 16 من كانون الأول عام 2000. وعلى اسمه تم تسمية المقر الرئيسي لمنطقة تل أبيب.

مقالات نقترح قراءتها:

المحقق الذكي: حليم بسطة

حاز حليم بسطة على اجازة المحاماة في جيل 18 عاما فقط والتحق بالنايبة العامة، ومع الحرب العالمية الاولى تجند كمحقق في شرطة الانتداب عندها تم اكتشاف قدراته المميزة كمحقق.

واصل القراءة»
Skip to content