رجل الخرسانة: تشارلز تيغارت

تعتبر حصون الشرطة التي بناها البريطانيون خلال الانتداب عنصرًا بارزًا في المشهد الطبيعي في إسرائيل. حيث تظهر من المطلة إلى بئر السبع وتذكر الناظر اليها بأبراجها الشاهقة وجدرانها الاسمنتية السميكة، بأن “الإنجليزي كان هنا في البلاد” وأنه لم يحكم دائمًا بلطف.

تسمى هذه المراكز “قلعة تيغارت” نسبة إلى الشخص الذي بادر ببنائها: ضابط الشرطة البريطاني تشارلز تيغارت. تيغارت، كما سنرى، قد أثر بشكل كبير على عمل الشرطة والأمن الداخلي في البلاد ولا يزال تأثيره قائماً حتى يومنا هذا.

ولد تشارلز أوغسطس تيغارت في أيرلندا عام 1881. وكان يُعرف في شبابه بأنه رياضي موهوب، حيث برع في عدد من التخصصات وخاصة في الرياضات الجماعية، مثل لعبة “الركبي والكريكيت”. في عام 1901 وبسبب الصعوبات الاقتصادية، اوقف تيغارت دراسته الأكاديمية والتحق بالخدمة في الشرطة الاستعمارية حيث ذهب إلى الهند. وواصل خدمته على مدار ثلاثين عامًا في شرطة البنغال، في الجزء الشمالي الشرقي من القارة (اليوم أراضي دول بنغلاديش والهند).

ابتداءً من أوائل القرن العشرين، عملت العديد من المجموعات القومية الهندية في البنغال لإنهاء الاستعمار البريطاني. حيث عملوا بشتى الطرق لتحقيق استقلالهم بما في ذلك الهجمات الإرهابية ضد البريطانيين وحتى ضد الهنود الذين اعتبروهم متعاونين. حينها عمل تيغارت في التحقيقات الجنائية (CID) وتخصص في مجالات المخابرات ومكافحة الإرهاب. وقد أقام بإنشاء “الفرع الخاص” في شرطة كلكتا عاصمة البنغال وقاده بنفسه. تيغارت كان يُعرف كمحقق فطن و”ساحر الأزياء” حيث قال عنه جنوده إنه ذات مرة، بينما كان يتنكر في زي متسول هندي جلس بالقرب من منزله عندها مرت زوجته ولم تعرفه وأعطته بعض النقود … لقد نجح تيغارت في فك لغز العديد من جرائم القتل والسطو وتمكن أيضاً من الكشف عن المنظمات التخريبية التي هددت الحكم البريطاني. وبعد نجاحاته تم تعيينه في عام 1923 مفتشًا عامًا لشرطة كلكتا.

كمفتش عام قام تيغارت بسلسلة من التغييرات والإصلاحات في هيكل الشرطة. حيث ان الحاجة للتعامل مع التهديد الإرهابي إلى جانب الدور الشرطة التقليدي في إنفاذ القانون تطلبت تدريب جميع قوات الشرطة على القدرة على القتال الى جانب قيامهم بواجباتهم العادية. وهذا سمح لتيغارت بتعزيز قواته الميدانية في أوقات الأزمات دون طلب أي مساعدة عسكرية. كما طور تيغارت جهاز مخابرات معقد بواسطته استطاعت الشرطة الكشف عن العديد من النشاطات الإرهابية في مهدها. إن نجاحاته كمفتش عام منعت تدهور الاوضاع في البنغال إلى ثورة علنية الامر الذي أدى لان يمنحه الملك لقب الفروسية. من ناحية أخرى، أدى ملاحقته للحركات الوطنية الهندية دون هوادة إلى ست محاولات مختلفة لاغتيال.

في 19 أبريل 1936، اندلعت الثورة العربية الكبرى في فلسطين وقد قام العرب سكان البلاد بموجة من أعمال الشغب الدموية والهجمات الإرهابية على اليهود وممثلي الحكومة البريطانية. اعمال استمرت لمدة أربعة أشهر فيها سادت الفوضى في البلاد، حيث قامت مجموعات من المسلحين العرب (“العصابات” بحسب الحكومة) بهجمات فيها قامت بقتل وحرق وتخريب قدر الامكان. اما شرطة الانتداب ففشلت في منع ووقف هذه الانتفاضة وطالبت بإعادة تأهيلها وإعادة تنظيمها. لذا لجأت الحكومة البريطانية إلى تشارلز تيغارت، طالبةً منه ان يحل كمفتش عام في بلاد. لكن تيغارت، الذي حينها كان متقاعداً، رفض المنصب وبالمقابل وافق على تعيينه مستشاراً خاصاً لشؤون الأمن الداخلي في البلاد.

زار تيغارت البلاد مرتين، في عامي 1937 وفي عام 1938، خلال إقامته، تجول في أنحاء البلاد وتفحص قضايا مختلفة والمتعلقة بالأمن الداخلي وحماية الحدود وكان برفقته رجل الشرطة ديفيد بيتري. تناولت توصيات تيغارت مسألتين: حماية الحدود الشمالية وإعادة تأهيل الشرطة. وقد حاول المتمردون العرب اغتياله خوفا من توصياته خلال إحدى زياراته.

فيما يتعلق بالحدود مع الأراضي اللبنانية والسورية (التي كانت آنذاك مناطق انتداب تحت السيطرة الفرنسية)، فقد قام تيغارت بناء “السياج الشمالي”، وهو نظام إعاقة أرضي يضمن سياجًا وبُؤر مراقبة ومراكز شرطة محصنة. أصبح السياج والذي بنته شركة “سوليل بونيه” في صيف عام 1938، ركن هام في نظام حماية البلاد من المتسللين وتهريب الأسلحة.

أما بالنسبة للشرطة، فقد طبق تيغارت الأساليب التي طورها في البنغال. فقد بادر بثلاث تغييرات أساسية: إعادة تنظيم قسم التحقيقات، تدريب جميع قوات الشرطة على مكافحة الإرهاب وإنشاء 62 مركز شرطة محصن في نقاط رئيسية في جميع أنحاء البلاد وقد تم قبول اغلب توصياته وتنفيذها وأقيمت القلاع المعروفة لنا خلال الحرب العالمية الثانية.

خلال الحرب العالمية الثانية، عمل تيغارت كرئيس لقسم التحقيقات الخاص الذي تم إنشاؤه في بريطانيا لمحاربة “السوق السوداء”. وبعد نهاية الحرب بوقت قصير، في عام 1946، توفي تيغارت.

إن تأثيرات تشارلز تيغارت واضحة في البلاد حتى يومنا هذا: فقد تم نسخ النموذج الذي أسسه في الحدود الشمالية إلى الحدود أخرى، ولا يزال برج مقر شرطة محصن يلوح على شعار حرس الحدود. قسم من الحصون الشرطة التي أقامها ما زالت تُستَخْدم من قبل الشرطة إسرائيل وجيش الدفاع الإسرائيلي ومصلحة السجون. والأهم من ذلك أن نهجه بخصوص الوظائف الأمنية للشرطة لا يزال مطبقاً في شرطة إسرائيل، التي تُعرَّف على أنها “شرطة ثنائية الغرض”، مسؤولة عن الأمن الداخلي الى جانب عملها التقليدي.

مقالات نقترح قراءتها

المصلح: يوسف نحمياس

يوسف نحمياس، مقدسي، جاء إلى الشرطة عن طريق الصدفة ، بعد أن تم إلغاء منصبه المقرر كسفير إسرائيل في مصر (عام 1948!) – ولم يمنعه ذلك من أن يصبح أحد المفتشين الأكثر نفوذاً في تاريخ البلاد.

واصل القراءة »

المحقق الذكي: حليم بسطة

حاز حليم بسطة على اجازة المحاماة في جيل 18 عاما فقط والتحق بالنايبة العامة، ومع الحرب العالمية الاولى تجند كمحقق في شرطة الانتداب عندها تم اكتشاف قدراته المميزة كمحقق.

واصل القراءة »
Skip to content